السيد حيدر الآملي
127
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
أمّا وكان ما يحدث اللَّه من الشّئون في اللَّيل بمنزلة الأولاد الَّتي تلد الأمّ ، وقد بيّنا هذا الفصل في « كتاب الشأن » ، لنا تكلمنا فيه على قوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ سورة الرحمن : 29 ] . وسيأتي إن شاء اللَّه في هذا الكتاب ، إن ذكّرنا اللَّه به من معرفة الأيّام طرفا شافيا . وكذلك قال تعالى : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [ سورة الحج : 61 ] . فزاد بيانا في التناكح وأبان سبحانه بقوله : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْه ُ النَّهارَ [ سورة يس : 37 ] . أنّ اللَّيل أمّ له ، وأنّ النّهار متولَّد عنه كما ينسلخ المولود من أمّه إذ خرج منها ، والحيّة من جلدها ، فيظهر مولَّدا في عالم آخر غير العالم الَّذي يحويه اللَّيل ، والأب هو اليوم الَّذي ذكرناه ، وقد بيّنا ذلك في كتاب « الزّمان » لنا ، ومعرفة الدّهر . فهذا اللَّيل والنّهار أبوان بوجه ، وأمّان بوجه ، وما يحدث اللَّه فيهما في عالم الأركان من المولَّدات عند تصريفهما يسمّون أولاد اللَّيل والنّهار كما قررناه . ولمّا أنشأ اللَّه أجرام العالم كلَّه القابل للتّكوين فيه ، جعل من حدّ ما يلي مقعّر السّماء الدّنيا إلى باطن الأرض ، عالم الطبيعة والاستحالات وظهور الأعيان الَّتي تحدث عند الاستحالات وجعلها بمنزلة الأمّ ، وجعل من مقعّر فلك السّماء الدّنيا إلى آخر الأفلاك بمنزلة الأب ، وقدّر فيها منازل ، وزيّنها بالأنوار الثابتة والسّابحة ، فالسّابحة تقطع في الثّابتة ، والثّابتة والسّابحة تقطع في الفلك المحيط بتقدير العزيز ، بدليل أنّه رؤي في بعض الأهرام الَّتي بديار مصر مكتوبا بقلم يذكر في ذلك التاريخ الأهرام أنها بنيت والنسر في الأسد ، ولا شكّ أنّه الآن في الجدى ، كذا ندركه ، فدل على أنّ الكواكب الثابتة تقطع في فلك البروج الأطلس ، واللَّه يقول في القمر : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناه ُ مَنازِلَ [ سورة يس : 39 ] . وقال في الكواكب : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ سورة يس : 40 ] .